عثمان يحيى / احمد محمد الطيب

14

مؤلفات ابن عربى تاريخُها وتصنيفُها

وحسبما نعلم ، فإن ابن عربى هو المفكر الوحيد الذي وقف كل حياته - وهي حياة ثرية إن في عطاياها أو في مواهبها - على موضوع واحد فقط هو « علوم الأسرار » ؛ لقد ألقى بنفسه في خضم هذه العلوم ، ثم راح يجلّبها ويشرحها بكل ما تزخر به أبعادها من سعة ومن عمق ؛ وكان في كل ذلك شخصية فريدة جمعت في إهابها بين العلم وبين الأدب على السواء . وما لبث أن نثر كل هذا الكم الهائل من علوم القلب والفكر بين أصحابه وبين تلاميذه في مشرق البلاد الاسلامية ومغربها ، وعبر رحلات لم تكد تتوقف بين أرجاء هذه البلاد . وربما يعترض على ذلك بأن ابن عربى قد كانت له صولات وجولات في العلوم الأساسية في الإسلام وأنه ألف في علوم : التفسير ، والحديث ، والكلام ، وأصول الفقه ؛ وأنه شدا - في شعر رائع أخّاذ - كل فنون النظم المألوفة لدى الشعراء العرب . كما قد يعترض أيضا بأنه كان يحيا حياة اجتماعية كاملة ، شغل فيها بالاتصالات الشخصية وبالأسفار والرحلات ، كما قد يعترض كذلك بتلك الاهتمامات الدنيوية التي كانت تشغل جانبا كبيرا من حياة الشيخ . إلا أن حقيقة الأمر أنه كلما توغلنا في دراسة هذه الشخصية كلما بدا لنا أن كل هذه الشواغل الخارجية إن هي إلا توجهات مصطنعة اصطناعا ؛ وأنها ليست إلا مظهرا يخفى وراءه همّا واحدا متفردا هو « البحث عن الحقيقة الكبرى » ، تلك التي لا ترى ولا تسفر عن وجهها إلا من منظور عرفانى غيبى بكل ما في هذه الكلمة من دقة وتحديد . ولنستمع إليه في مقدمة شرح ديوانه الخالد : « ترجمان الأشواق » وهو يشير إلى ذلك في قصيدة رائعة : كلّ ما أذكره من طلل ، * أو ربوع أو مغان كلما وكذا إن قلت : ها أو قلت : يا * وألا ، إن جاء فيه أو أما وكذا إن قلت : هي أو قلت : هو * أو همو أو هنّ ، جمعا ، أو هما وكذا إن قلت : قد أنجد بي * قدر ، في شعرنا ، أو أتهما وكذا السّحب إذا قلت : بكت * وكذا الزهر إذا ما ابتسما أو أنادى بحداة يمّموا * بانة الحاجر أو ورق الحما